الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

576

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ضلّت ، فلما قدّم إن ضلّت وأبرز في معرض العلّة لم يصح الإضمار ( أي لعدم تقدم إمعاد ) ولم يصح أن تضلّ الأخرى لأنّه لا يحسن قبل ذكر إحداهما ( أي لأنّ الأخرى لا يكون وصفا إلّا في مقابلة وصف مقابل مذكور ) فأبدل بإحداهما ( أي أبدل موقع لفظ لأخرى بلفظ إحداهما ) ولم يغيّر ما هو أصل العلّة عن هيأته لأنّه كان لم يقدم عليه ، أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما يعني فهذا وجه الإظهار . وقال الخفاجي في « حاشية التفسير » « قالوا : إنّ النكتة الإبهام لأنّ كل واحدة من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الضلال والتذكير ، فدخل الكلام في معنى العموم » يعني أنّه أظهر لئلّا يتوهم أنّ إحدى المرأتين لا تكون إلّا مذكّرة الأخرى ، فلا تكون شاهدة بالأصالة . وأصل هذا الجواب لشهاب الدين الغزنوي عصري الخفاجي عن سؤال وجّهه إليه الخفاجي ، وهذا السؤال : يا رأس أهل العلوم السادة البررة * ومن نداه على كل الورى نشره ما سرّ تكرار إحدى دون تذكرها * في آية لذوي الأشهاد في البقرة وظاهر الحال إيجاز الضمير على * تكرار إحداهما لو أنّه ذكره وحمل الإحدى على نفس الشهادة في * أولاهما ليس مرضيا لدى المهرة فغص بفكرك لاستخراج جوهره * من بحر علمك ثم ابعث لنا درره فأجاب الغزنوي : يا من فوائده بالعلم منتشره * ومن فضائله في الكون مشتهره تضلّ إحداهما فالقول محتمل * كليهما فهي للإظهار مفتقره ولو أتى بضمير كان مقتضيا * تعيين واحدة للحكم معتبره ومن رددتم عليه الحلّ فهو كما * أشرتم ليس مرضيا لمن سبره هذا الذي سمح الذهن الكليل به * واللّه أعلم في الفحوى بما ذكره وقد أشار السؤال والجواب إلى ردّ على جواب لأبي القاسم المغربي في تفسيره « 1 » ؛ إذ جعل إحداهما الأول مرادا به إحدى الشهادتين ، وجعل تضلّ بمعنى تتلف بالنسيان ، وجعل إحداهما الثاني مرادا به إحدى المرأتين . ولما اختلف المدلول لم يبق إظهار في

--> ( 1 ) هو أبو القاسم الحسين بن علي الشهير بالمغربي استوزره البويهي ببغداد وتوفي سنة 418 .